أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

193

التوحيد

مسألة [ القول في صلاحية القدرة للضدين وتكليف ما لا يطاق ] قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : ثم اختلف أهل هذا القول في قوة الطاعة أهي تصلح للمعصية أم لا . قال جماعة : هي تصلح للأمرين جميعا ، وهو قول أبي حنيفة وجماعته . وهذا القول أثبته جميع أهل الاعتزال عند التأمل ، ويحقق عليهم القول بتحقيق ما لا يطاق ، وذلك سببهم في القول بتقدم القوة ، واللّه الموفق . وأصل هذا أنه لما كان سبب من أسباب القول يصلح للشيء وضده فكذلك القدرة ، مع ما في نفي أن يصلح للأمرين فوت القدرة على فعل ضد الذي جاء به ، وقد يؤمر به وينهى عنه في وقته ، فيلزم القول بالقدرة على الشيء وضده ، ليكون الأمر والنهي على الوسع والقوة ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الأصل أن كل شيء يصلح لشيء لا يصلح لضده ، فيكون الذي به بالطبع لا بالاختيار ، ولو كانت القوة لا تصلح لهما لكان ما كان يقع بالطبع لا بالاختيار ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال جماعة منهم : قوة الطاعة هي غير قوة المعصية ، منهم الحسين وغيره ، وهم يذهبون إلى أن قوة الطاعة التوفيق والعصمة ، وقوة المعصية الخذلان والترك على ما يختار ؛ ودليل ذلك وجود سؤال المعونة والعصمة ، على الإحاطة أن ليس معهما زيغ ، والتوفيق على الإحاطة أن معه الإصابة ، وكذلك القول الظاهر باللهم قوّني على طاعتك وأعنّي عليها ، وبتعوّذ من الخذلان والإزاغة ، ثبت لو كان يكون بكل واحد منهما ما يكون بالآخر لم يكن الذي يسأل بالسؤال أحق من الذي يتعوّذ منه ، ولو كان يكون بالعصمة زيغ لم يكن يطمئن القلب عند الوجود ، فثبت أن قوة كل نوع من ذلك غير قوة النوع الآخر ، وثبت بما يسأل العصمة والتوفيق كما يسأل المعونة والتقوية أنهما في الحقيقة واحد . وأيضا أنه لا أحد يطلق القول في الكافر أنه موفق للإيمان معصوم عن الكفر ، ولا أحد يمتنع عنه في المؤمن ، ثبت أن معنى ذلك المعونة على الإيمان والآخر الخذلان . وأيضا أن القوة إذ هي لا تبقى وقتين ليصلح بها الفعلان ، ولا سبيل إلى جمع الفعلين المتضادين في وقت واحد ، ثبت أن ذلك قوة لأحدهما لا لهما ، وأن الذي يكون لهما يبقى لاحتمالهما ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن القوة لا يجوز وجودها إلا وثمة اختيار كالنار في التحريق والثلج في